محمد محمد أبو موسى
248
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وبين النظم الذي جاء عليه ؟ قلت : في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما ل « ان » ، واسناد الجملة اليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالي معها أحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم ، وليس ذلك في قولهم : وظنوا أن حصونهم تمنعهم » « 37 » . فقولنا : وظنوا أن حصونهم مانعتهم ، لا يصور ما في نفس المتكلم ولا يطابق حاله بخلاف ما جاء عليه ، فان الخصوصيات التي روعيت في بناء الجملة أشارت إلى كل ما في نفوسهم من خواطر القوة والمنعة والوثوق بحصانتها . ولو نظرنا إلى مثل هذا التحليل بشيء من التريث والأناة لقادنا إلى مقالة أبى يعقوب في تعريف علم المعاني حيث يقول : وهو - أي علم المعاني « تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره » « 38 » وهذا التعريف قد شذ به الخطيب في عبارته المتداولة حيث قال : « وهو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال » « 39 » وليست مطابقة الكلام لمقتضى الحال الا قدرة التعبير على تصوير ما يراد تصويره في المقامات المختلفة . [ تحديد المراد بعلم المعاني وبيان موضوعه : ] وبعد هذا الكلام الذي أطلناه عن النظم وموضوع درسه نعود إلى ما يفهم من كلمة المعاني ، وكلمة البيان ، وموضوع درسهما لنربط بين هذه المفاهيم . ونقول في بداية هذا الحديث : ان الزمخشري لم يذكر مصطلح علمي المعاني والبيان في مقدمة تفسير الكشاف فحسب كما يوهم وقوف كثير من الباحثين عند عبارته المشهورة . وانما ذكر هذا المصطلح قبل
--> ( 37 ) الكشاف ج 4 ص 398 ( 38 ) مفتاح العلوم ص 86 ( 39 ) بغية الايضاح ج 1